منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟ الحلقة الأولى: حين يصبح الفساد قانوناً غير مكتوب ..

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟
الحلقة الأولى: حين يصبح الفساد قانوناً غير مكتوب ..

هل لاحظت يوماً كيف نعتاد على صوت الباب المكسور في الحوش حتى ننسى أنه يحتاج إلى إصلاح؟ نمر بجهته كل يوم، نتعايش مع صريره، ونحسب أن هذه هي طبيعة الأشياء. هذا بالضبط ما حدث مع الفساد السياسي في السودان؛ تحول من جريمة تُرتكب في الخفاء إلى طقس يومي نمر عليه دون أن يطرف لنا جفن.

ما نعيشه اليوم ليس وليد الصدفة، ولا حدثاً معزولاً بدأ في صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023. إن جوهر القضية، باختصار شديد، هو أننا بنينا دولة كاملة على قاعدة “الإفلات من العقاب”، وظللنا نؤجل الحساب باسم الاستقرار الوطني، حتى انهدم الاستقرار والبيت معاً على رؤوس الجميع. هذا ليس حديثاً عن الماضي، بل هو عما نخسره اليوم بصمت في كل لحظة تستمر فيها هذه الحرب.

الأسباب الظاهرة التي يرددها الناس في الحافلات ومجالس الشاي تشير دائماً إلى سوء إدارة هذا السياسي أو جشع ذاك المسؤول. طبيعي بعد ذلك أن نرى الخزينة خاوية، وأن نرى الخدمات تنهار شيئاً فشيئاً. لكن ما لا يُرى على السطح، هو تلك الرابطة الخفية التي تشكلت منذ استقلال 1956: كل نظام يأتي يمنح الذي قبله “تأشيرة خروج آمن”، ثم يمارس الفساد ذاته مطمئناً إلى أن من سيخلفه سيمنحه العفو ذاته. لقد تحول العفو السياسي من استثناء أخلاقي إلى آلية عمل ودورة حياة للطبقة الحاكمة.

ولعل هذا ما يفسر الطريقة التي نفكر بها حتى في أعتى لحظات الكارثة. انظر مثلاً إلى الدعوة الأخيرة التي نقلتها صحيفة “المحقق” على لسان الجاكومي، حين تحدث عن مطالبة الفريق البرهان بإصدار عفو رئاسي عن السياسيين الملاحقين، وموافقة الأخير على شطب بلاغات الحق العام وحفظ بلاغات الحق الخاص. هذا ليس مجرد خبر صحفي نمر عليه كالمعتاد، بل هو التجلي الصريح للطريقة القديمة ذاتها: محاولة القفز فوق المساءلة عبر تسوية جديدة تُطبخ في الغرف المغلقة. نحن نبتكر الحلول المؤقتة كل يوم، تماماً مثل الرجل الذي يصلح “كبري” سيارته كل صباح بدل أن يسأل لماذا الطريق كله حفر!

وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة في فهم أزمتنا التاريخية. إننا لا نعاني من نقص في قوانين مكافحة الفساد، بل نعاني من إيمان عميق لدى النخبة السياسية بأن القانون لم يُكتب ليُطبق عليهم، وأن “المصلحة الوطنية” مجرد كلمة سر تُستخدم لفتح أبواب الخروج الآمن للفاسدين.

بعد اخير:

خلاصة القول، الحديث عن “عفو عام” قبل غسل أيدي السياسي من مظالم الناس، وقبل وقوفه أمام قضاء مستقل، ليس بذرًا لبذور السلام، بل هو حرثٌ في البحر، وتكرار مأساوي لنفس الشريط الذي أوصلنا إلى نقطة الانفجار الكبير في أبريل. إن المحاسبة ليست فعلاً انتقامياً نتشفي به، بل هي السور الوحيد الذي يحمي الوطن من الاستباحة المستمرة.

أخيرًا، عندما نُصرّ على منح صكوك الغفران للذين خربوا البيت، فنحن لا ننهي الحرب، بل نشتري قطع غيار للحروب القادمة، ونقول للأجيال الجديدة بوضوح: افعلوا ما شئتم بالبلاد، ففي النهاية هناك دائماً قلم رئاسي يمسح كل الجرائم بجرعة حبر واحدة.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.