المصارف السودانية بين الصفوف والتحول الرقمي… لماذا لا ننتقل من رقابة المواطن إلى رقابة البيانات؟ تحديث بيانات العملاء ضرورة مصرفية… لكن تحويلها إلى صفوف هو عودة إلى الوراء بقلم : حسبو علي بخيت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصارف السودانية بين الصفوف والتحول الرقمي…
لماذا لا ننتقل من رقابة المواطن إلى رقابة البيانات؟
تحديث بيانات العملاء ضرورة مصرفية… لكن تحويلها إلى صفوف هو عودة إلى الوراء
بقلم ✍: حسبو علي بخيت

ليست المشكلة في أن تطلب المصارف من عملائها تحديث بياناتهم؛ فهذا إجراء أصيل من إجراءات اعرف عميلك (KYC)، وركيزة أساسية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاحتيال والجرائم المالية المختلفة.
وليست المشكلة كذلك في أن يطالب البنك المركزي المصارف بالتشدد في التحقق من هوية العملاء ومصادر أموالهم وطبيعة معاملاتهم؛ فسلامة الجهاز المصرفي ليست قضية مصرفية فحسب، وإنما قضية تمس أمن الاقتصاد الوطني واستقرار الدولة والمجتمع.
لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح تحديث البيانات في القرن الحادي والعشرين سبباً في إعادة المواطن إلى الصفوف أمام نوافذ المصارف.
وهنا تحديداً يحق لنا أن نسأل:
أين ذهب التحول الرقمي؟
كيف يستطيع العميل أن يفتح تطبيقه المصرفي من هاتفه، ويتحقق من رصيده، ويرسل الأموال، ويدفع الفواتير، ويستقبل رموز التحقق والتنبيهات، ثم عندما يتعلق الأمر بتحديث بياناته الأساسية يُطلب منه أن يترك عمله، ويتحمل كلفة المواصلات، ويقف ساعات طويلة أمام نافذة المصرف؟
إذا كان الهاتف المحمول قد أصبح بوابة آمنة إلى الحساب المصرفي، فلماذا لا يصبح أيضاً بوابة آمنة لتحديث بيانات صاحب الحساب؟
الرقابة مطلوبة… ولكن الرقابة الذكية هي المستقبل
العالم المصرفي لم يعد يعتمد على فكرة أن وجود العميل أمام الموظف هو أعلى درجات الأمان.
فالرقابة المصرفية الحديثة تتجه بصورة متزايدة إلى الهوية الرقمية، والتحقق متعدد العوامل، والقياسات الحيوية، والتحليل الآلي للمعاملات، والذكاء الاصطناعي، وتحليل الشبكات المالية، والتدقيق القائم على درجة المخاطر.
وتؤكد المعايير الدولية الحديثة أهمية الهوية الرقمية الموثوقة في جعل عمليات التحقق من هوية العملاء أكثر سهولة وأماناً وأقل تكلفة، إلى جانب أهمية تطبيق منهج قائم على المخاطر، بحيث لا يُعامل العميل منخفض المخاطر بالطريقة نفسها التي يُعامل بها العميل أو النشاط مرتفع المخاطر.
ومن هنا يتغير السؤال.
لم يعد السؤال:
هل نراقب العميل؟
بل أصبح:
كيف نراقبه بأعلى درجة من الدقة، وأقل قدر من التعطيل، وأكبر قدرة على اكتشاف الخطر الحقيقي؟
من بصمة الإصبع إلى بصمة العين
إذا كانت المصارف السودانية تريد فعلاً بناء منظومة مصرفية حديثة، فإن من الضروري التفكير في إنشاء هوية مصرفية رقمية وبيومترية موحدة، ترتبط ـ وفق القانون والضوابط الخاصة بحماية البيانات ـ بالهوية الوطنية والسجل المدني.
ولا ينبغي أن تتوقف هذه المنظومة عند بصمة الإصبع وحدها، وإنما يمكن دراسة استخدام مجموعة متكاملة من وسائل التحقق، من بينها:
بصمة الإصبع.
بصمة العين أو قزحية العين.
التعرف على الوجه.
تقنيات إثبات أن الشخص حي أمام الكاميرا Liveness Detection.
التحقق متعدد العوامل.
التوقيع الرقمي.
التعرف على الجهاز المستخدم في الدخول إلى الحساب.
تحليل السلوك الرقمي للعميل.
التنبيه الفوري عند حدوث نشاط غير معتاد.
وبذلك لا يصبح التحقق من الهوية عملية ورقية تتكرر كلما طلب المصرف تحديث البيانات، وإنما تتحول الهوية إلى منظومة رقمية مصرفية مستمرة تتطور مع العميل وتحمي حسابه.
وهذه ليست فكرة نظرية بعيدة عن التجارب الدولية؛ فقد استخدمت دول مختلفة أنظمة للهوية البيومترية المصرفية بهدف تعزيز متطلبات «اعرف عميلك»، والحد من سرقة الهوية والاحتيال، وتحسين عمليات التحقق من العملاء.
والدرس الذي يمكن أن يستفيده السودان واضح:
بدلاً من أن نطلب من المواطن أن يثبت في كل مرة أنه هو نفسه، لماذا لا نبني منظومة رقمية موثوقة تستطيع أن تثبت ذلك آلياً؟
الموظف ليس جهاز كشف إلكترونياً
يقال أحياناً إن الحضور الشخصي أكثر أماناً.
ولكن علينا أن نكون واقعيين.
الموظف المصرفي إنسان، يعمل ساعات طويلة، ويتعامل مع عشرات وربما مئات العملاء والوثائق، وقد يصيب وقد يخطئ، وقد يتعرض للإرهاق البدني والعقلي والسهو.
أما النظام الرقمي المصمم بصورة صحيحة، فيستطيع أن يطابق البيانات، ويتحقق من الهوية، ويقارن الخصائص البيومترية، ويراجع سجل العميل، ويحلل نمط معاملاته، ويرسل تنبيهاً فورياً عند ظهور نشاط غير معتاد.
إذن ليست القضية في أن يقف العميل أمام الموظف خمس دقائق أو عشر دقائق.
القضية في قوة منظومة التحقق نفسها.
فالوجود الجسدي للعميل أمام الموظف ليس ضماناً مطلقاً ضد انتحال الشخصية، كما أن التقنية ليست ضماناً مطلقاً من دون حماية قوية.
ولهذا فإن الحل الحقيقي ليس إلغاء العنصر البشري، وإنما بناء منظومة أمن مصرفي متعددة الطبقات تجمع الإنسان والتقنية والبيانات والتحليل المستمر.
الحسابات ليست متساوية في درجة الخطر
من الأخطاء أن نتعامل مع جميع الحسابات وكأنها تحمل الدرجة نفسها من المخاطر.
فالحساب الذي لا تتجاوز معاملاته راتباً شهرياً ومصروفات أسرية عادية، ليس كحساب تجاري يستقبل ملايين الجنيهات في اليوم.
وحساب المواطن محدود النشاط ليس كحساب شركة تعمل في التجارة الدولية.
والحساب الذي لم تظهر عليه أي حركة غير طبيعية لسنوات، ليس كحساب تظهر فيه فجأة تحويلات متكررة من جهات متعددة، ثم تخرج الأموال منه سريعاً إلى حسابات أخرى، أو تتحرك فيه مبالغ لا تتناسب مع طبيعة نشاط صاحبه.
وهنا تأتي أهمية الرقابة القائمة على المخاطر – Risk-Based Approach.
فالمبدأ الأساسي هو أن تتناسب درجة التدقيق والمراقبة مع مستوى الخطر.
ومن ثم:
لماذا نضع المواطن منخفض المخاطر في الطابور نفسه مع الحساب مرتفع المخاطر؟
الذكاء الاصطناعي… عين المصرف التي لا تنام
العالم المصرفي يتجه اليوم إلى استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في اكتشاف الأنماط غير الطبيعية في حركة الأموال.
فالمصرف الحديث يستطيع أن يتعلم السلوك المعتاد للعميل، ثم يكتشف التغيرات المفاجئة.
فعلى سبيل المثال، إذا اعتاد عميل أن يتلقى راتبه ويصرف مبالغ محدودة، ثم بدأ حسابه فجأة باستقبال عشرات التحويلات من أشخاص مختلفين وإرسال الأموال بسرعة إلى حسابات أخرى، فإن هذه الحركة ليست مجرد معاملات مالية منفصلة، وإنما إشارة تستحق التحليل.
وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل ملايين العمليات والعلاقات بين الحسابات، والبحث عن أنماط قد يصعب على الإنسان اكتشافها بالعين المجردة.
كما أن تحليل الشبكات المالية يمكن أن يكشف العلاقات الخفية بين الحسابات، ويحول البيانات المتفرقة إلى صورة متكاملة عن حركة الأموال.
ليس المطلوب مزيداً من الصفوف؛ المطلوب مزيد من الذكاء.
غسل الأموال والمخدرات والسلاح والاتجار بالبشر
الرقابة المصرفية الحديثة لا ينبغي أن تستهدف المواطن العادي، وإنما يجب أن تستهدف النمط المالي غير الطبيعي.
فالأموال الناتجة عن تجارة المخدرات أو السلاح أو الاتجار بالبشر أو الرشوة أو الاختلاس أو الاحتيال أو تمويل الأنشطة الإرهابية لا تظهر دائماً في الحساب المصرفي مكتوباً عليها أنها أموال غير مشروعة.
بل قد تمر عبر سلسلة طويلة من الحسابات والأشخاص والشركات والتحويلات.
وهنا تظهر أهمية تحليل الشبكات المالية – Graph Analytics.
فقد لا يكون الحساب الأول وحده مثيراً للشبهة، ولكن عندما تربطه الخوارزميات بعشرات الحسابات الأخرى، قد تظهر شبكة مالية كاملة تتحرك بطريقة غير طبيعية.
وهذا هو الفارق بين الرقابة التقليدية والرقابة الحديثة:
الرقابة التقليدية تنظر إلى المعاملة؛ أما الرقابة الذكية فتنظر إلى القصة الكاملة وراء المعاملة.
وماذا عن اختراق الحسابات؟
التحول الرقمي لا يعني أن نفتح أبواب المصارف أمام القراصنة.
بل العكس تماماً.
كلما انتقلت الخدمات المصرفية إلى البيئة الرقمية، وجب أن تنتقل معها منظومة الحماية إلى مستوى أعلى.
ويشمل ذلك:
المصادقة متعددة العوامل.
التشفير.
مراقبة الأجهزة المستخدمة.
تحليل السلوك الرقمي.
اكتشاف محاولات الدخول غير المعتادة.
التنبيه الفوري للعميل.
تأخير أو تعليق بعض العمليات عالية الخطورة إلى حين استكمال التحقق.
فإذا حاول شخص الدخول إلى حساب من جهاز جديد وفي مكان غير معتاد، ثم بدأ بإجراء تحويل كبير إلى مستفيد جديد، فإن النظام الذكي ينبغي ألا يتعامل مع الأمر كعملية عادية.
هنا يجب أن تتدخل التكنولوجيا قبل أن تتدخل الخسارة.
رقم الهاتف جزء من الهوية المالية
هناك حلقة مهمة أخرى في منظومة الأمان وهي رقم الهاتف.
ففي عصر الخدمات المصرفية عبر الهاتف، أصبح رقم الهاتف مرتبطاً بالحسابات والتنبيهات ورموز التحقق.
ولهذا ينبغي بناء آلية موثوقة للتحقق من ملكية الرقم، وربطه ـ وفق القوانين والضوابط ـ بهوية صاحبه، مع تشديد إجراءات استبدال الشرائح أو نقل ملكيتها عندما تكون مرتبطة بخدمات مالية.
والهدف ليس التضييق على المواطن أو منعه من امتلاك أكثر من شريحة، وإنما التأكد من أن الرقم الذي يستقبل رمز التحقق المصرفي مرتبط بصورة موثوقة بصاحب الحساب.
وهنا نحتاج إلى تكامل حقيقي بين:
السجل المدني + المصرف + شركات الاتصالات + منظومة الهوية الرقمية + الجهات المختصة بإنفاذ القانون.
فالاحتيال المالي لم يعد جريمة تخص مؤسسة واحدة.
ماذا نفعل بالكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي؟
هذه واحدة من أكبر القضايا التي ينبغي أن تدخل في مشروع الإصلاح المصرفي.
فكلما ظلت نسبة كبيرة من الأموال تدور خارج القنوات المصرفية الرسمية، أصبحت عملية تتبع مصادر الأموال وحركتها أكثر صعوبة.
لكن ذلك لا يعني أن الحل هو منع النقد بصورة مفاجئة أو إجبار الناس على استخدام الحسابات المصرفية بالقوة.
بل المطلوب بناء حوافز تجعل النظام المصرفي أكثر جاذبية من الاقتصاد النقدي الموازي.
ومن ذلك:
خفض كلفة التحويلات، وتطوير الدفع الإلكتروني، وتوسيع نقاط البيع، وتسهيل فتح الحسابات، وربط الخدمات الحكومية بالدفع الرقمي، وتحسين الثقة في المصارف، وتشجيع التجار على قبول المدفوعات الإلكترونية، وتوفير حماية فعالة للعميل عند حدوث الاحتيال.
فكل جنيه ينتقل من الاقتصاد النقدي غير المرئي إلى شبكة مالية رسمية يصبح جزءاً من حركة اقتصادية يمكن قياسها وتحليلها ومراقبتها.
وهنا لا تصبح المصارف مجرد أماكن لحفظ الأموال، وإنما تتحول إلى شبكة معلومات اقتصادية وطنية تساعد الدولة على فهم حركة الاقتصاد ومواجهة الاقتصاد الخفي.
لكن التكنولوجيا تحتاج إلى حماية قانونية
التحول الرقمي لا يعني جمع أكبر قدر ممكن من البيانات دون ضوابط.
فالبيانات البيومترية والمالية شديدة الحساسية، ولذلك ينبغي أن تكون هناك قواعد واضحة تحدد:
من يستطيع الوصول إليها؟
وكيف تحفظ؟
ومتى تستخدم؟
وكيف تمنع إساءة استخدامها؟
كما يجب أن تكون مشاركة البيانات بين المصارف والسجل المدني والجهات المختصة بإنفاذ القانون قائمة على القانون والأوامر والإجراءات المقررة، لا على تبادل مفتوح للمعلومات.
الأمن المالي لا ينبغي أن يتحول إلى انتهاك للخصوصية.
فالهدف هو حماية المواطن والنظام المالي معاً.
السودان لا يحتاج إلى رقابة أثقل… بل إلى رقابة أذكى
إن مطالبة العملاء بتحديث بياناتهم يمكن أن تكون فرصة تاريخية لإعادة بناء منظومة مصرفية سودانية أكثر حداثة.
يمكن تحويل عملية تحديث البيانات من صفوف طويلة أمام الفروع إلى مشروع وطني للهوية المصرفية الرقمية.
يمكن أن يكون للعميل ملف رقمي موثق، يُحدث إلكترونياً، ويستخدم التحقق البيومتري عند الحاجة.
ويمكن أن ترتبط الحسابات بهوية موثوقة، مع مراقبة آلية للمعاملات، وتصنيف العملاء وفق المخاطر، وتحليل الشبكات المالية، ومراقبة الحسابات الوسيطة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأنماط المشبوهة.
وعندها لا يحتاج ملايين المواطنين إلى ترك أعمالهم والوقوف في الطوابير والصفوف أمام البنوك.
بل يستطيع المواطن منخفض المخاطر أن يحدث بياناته من هاتفه أو من قناة رقمية معتمدة، بينما يُطلب الحضور الشخصي للحالات التي تستدعيه فعلاً، وفق مستوى المخاطر.
وهذا هو معنى الرقابة القائمة على المخاطر.
من الصف إلى الشاشة
إن استمرار الصفوف أمام نوافذ المصارف لا ينبغي أن يكون هو الصورة التي نعتمدها لإثبات قوة الرقابة المصرفية.
فالازدحام ليس دليلاً على قوة النظام.
وكثرة الأوراق ليست دليلاً على ارتفاع مستوى الأمان.
وكثرة الموظفين خلف النوافذ ليست بالضرورة دليلاً على جودة الرقابة.
الدليل الحقيقي هو قدرة النظام على معرفة العميل، وفهم حركة أمواله، واكتشاف النشاط غير الطبيعي، وحماية حسابه، وإيقاف الجريمة المالية قبل أن تتحول إلى خسارة.
ولهذا فإن المطلوب من بنك السودان والمصارف السودانية ليس إلغاء تحديث بيانات العملاء، وإنما إعادة تصميم طريقة التحديث نفسها.
نحتاج إلى منظومة تحقق رقمية، وهوية مصرفية موحدة، وقياسات حيوية متقدمة، وربط قانوني وآمن بالسجل المدني، وتكامل منضبط مع شركات الاتصالات والجهات المختصة، وأنظمة ذكاء اصطناعي وتحليل بيانات لمراقبة المعاملات، وآليات فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاحتيال والجرائم المالية المختلفة.
ونحتاج كذلك إلى خطة وطنية لإدخال الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي إلى القنوات الرسمية، لا بالقسر وحده، وإنما بالثقة والحوافز وسهولة الاستخدام وانخفاض التكلفة.
الخلاصة
إن العالم لا ينتظرنا.
والقطاع المصرفي العالمي يتحرك من الورقة إلى البيانات، ومن المراجعة اليدوية إلى التحليل الآلي، ومن مراقبة المعاملة المفردة إلى تحليل الشبكة المالية، ومن الاعتماد الكامل على الإنسان إلى التكامل بين الإنسان والآلة.
وليس المطلوب أن نقلد دولة بعينها، وإنما أن نستفيد من الاتجاه العالمي ونصمم نموذجاً سودانياً يناسب واقعنا القانوني والاقتصادي والتقني.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي وتحليل الشبكات والهوية الرقمية أدوات حقيقية في مكافحة الجرائم المالية، وليس مجرد شعارات تقنية.
كما أن المعايير الدولية الحديثة تؤكد أن المراقبة المستمرة ينبغي أن تكون متناسبة مع مستوى المخاطر، وأن العملاء والمعاملات الأعلى خطراً يستحقون تدقيقاً أكبر.
فالرقابة المصرفية ليست في عدد المواطنين الواقفين أمام البنك، وإنما في قدرة البنك على معرفة ما يحدث داخل حساباتهم.
وإذا كان الهاتف قد أصبح مفتاح المواطن إلى حسابه، فإن تحديث بياناته يجب أن يكون جزءاً من هذا المفتاح، لا سبباً لإعادته إلى الطابور.
نريد مصارف تحمي أموال الناس، لا مصارف تزيد عناء الناس.
نريد رقابة تكشف الجريمة، لا رقابة ترهق البريء.
نريد تكنولوجيا تُستخدم لحماية النظام المصرفي، لا تكنولوجيا تُستخدم في واجهة الخدمات فقط، بينما تبقى الرقابة أسيرة الورق والصفوف.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني أن نضع المصرف في الهاتف فقط؛ بل يعني أن ننقل عقل المصرف نفسه إلى العصر الرقمي.
وعندها فقط يمكن أن نقول إن السودان بدأ فعلاً في بناء جهاز مصرفي حديث، قادر على حماية المواطن، وتجفيف منابع الاقتصاد غير المشروع، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، والاندماج في المنظومة المالية العالمية.
فالصف الطويل أمام البنك ليس هو المشكلة وحده؛ المشكلة أن نعتقد أن الصف هو الحل في زمن التحول الرقمي والتطور المصرفي العالمي .
