البعد_الاخر مصعب بريــر من العتمة إلى الأمل: كيف يُحيل «ماء ونور» قرارات الحكومة إلى حياة تمشي بين الناس؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
من العتمة إلى الأمل: كيف يُحيل «ماء ونور» قرارات الحكومة إلى حياة تمشي بين الناس؟
في الحوش السوداني، حين تنقطع الكهرباء ويشح الماء، لا يتوقف الناس عن الكلام، بل يبحثون عن أحجار يرفعون بها الزير حتى يخرج منه آخر قطرة، أو يتشاركون ظل الشجرة الأخير. نحن شعبٌ تمرس في التكيف مع العتمة حتى كادت تصير جغرافيتنا اليومية. لكن، هل سألت نفسك يوماً كيف يمكن لقرار حكومي، كُتب على ورقة ترويسة رسمية، أن يتحول إلى خيط ضوء ينير راكوبة في أطراف أم درمان، أو يشغل مضخة مياه في أطراف الجزيرة؟
ما يحدث اليوم باختصار ليس مجرد إعلان عن إعفاءات جمركية أو قرارات مجانية للمياه حتى نهاية عام 2026. الجوهر الحقيقي يتلخص في برنامج “ماء ونور”، القرار الصادر عن رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس، والذي يمثل كسرًا جراحيًا لدائرة عجز استمرت لسنوات. هذه ليست حزمة قرارات لرفع العبء المعيشي فحسب، بل هي محاولة حقيقية لإعادة بناء مفهوم العودة الطوعية للذين هجروا بيوتهم؛ لأن الإنسان لا يعود إلى دياره ليتأمل جدراناً مظلمة أو ليقف في طابور مياه لا ينتهي.
إذا أردنا تفكيك المشكلة من ظاهرها، سيخبرك الشارع فوراً أن أزمة المياه والطاقة بدأت من وابل الحرب الذي دمر التوربينات، ومن الجمارك التي كانت تعامل الألواح الشمسية وكأنها سلع ترفيهية استثنائية. والنتيجة المباشرة كانت واضحة؛ ظلام يمتد، وأسعار تجعل حتى مجرد شربة الماء النظيفة عبئاً ثقيلاً على رب الأسرة. لكن ما لا يراه الكثيرون، هو العلاقات الخفية تحت السطح. إن إبقاء الرسوم على منظومات الطاقة الشمسية لم يكن مجرد جباية، بل كان تعطيلًا غير مباشر للإنتاج الزراعي والصحي، وإجهاضًا حاسمًا لأي فكرة عودة طوعية. حين تحرم المواطن من الطاقة البسيطة، فأنت تضمن بالضرورة تعثر سوق البيع المخفض، وانهيار قدرته على الصمود في أرشيفت الحياة اليومية.
هذا التحليل ليس رصفًا لمصطلحات اقتصادية؛ بل هو تمامًا كحال صاحب الحافلة الذي يظل يشكي كل يوم من تلف الإطارات والأنظمة، دون أن يفكر لحظة في استبدال الطرق المحفرة المتهالكة التي يسلكها. الحكومة -بقرار إعفاء الطاقة الشمسية من كافة الجمارك والضرائب والرسوم، وتوفير التمويل الميسر عبر بنك السودان، وإلغاء رسوم المياه حتى نهاية العام- وضعت أخيرًا يداً متزنة على الداء. لكن، ألا يتحمل التنفيذ الإداري والبيروقراطية المعتادة نصف المشكلة؟ القرار القوي إذا لم ترافقه استراتيجية استدامة وشبكات توزيع قوية للمياه، ومراقبة لمواصفات الألواح التي تدخل البلاد حتى لا يتحول السوق إلى مقبرة لخلايا شمسية مغشوشة، سيبقى مجرد أمنيات طيبة مدونة في الصحف الرسمية.
ماذا يعني كل هذا بالنسبة للمواطن البسيط في سوق ليبيا أو سوق ود مدني؟ معناه أن لقمة العيش قد تصبح أقل مرارة إذا وجد مزارع البصل مضخة تعمل بالطاقة الشمسية بتمويل ميسر دون أن تدق الجمارك ظهره. ومعناه أن التاجر لن يضطر لرفع سعر السكر والأرز ليعوض كلفة وقود المولد الكهربائي. “ماء ونور” ليس اسمًا شعريًا لبرنامج حكومي، بل هو الشريان الذي يقرر إن كان الطفل سيقرأ دروسه مساءً تحت إضاءة ثابتة، أم سيظل يرقب عتمة السقف.
وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة؛ فالقرارات السياسية الكبيرة لا تُقاس بالنوايا الصادقة الصادرة من مكاتب الوزراء، بل بمدى وصول آثارها إلى البيوت التي أتعبها الانتظار، وشبكات المياه التي اهترأت بفعل السنين، والأسواق التي باتت تحرق أصابع الفقراء.
بعد اخير:
خلاصة القول، نحن لا ننقصنا النصوص ولا التوجيهات الحازمة، بل ينقصنا أن ندرك أن المياه والإضاءة لم يعودا مجرد خدمات تقدمها الدولة وقتما تشاء، بل هما شرط الوجود والأمان الوحيد لمن يريد العودة إلى بيته.
اخيراً، إن الدولة التي تمنح مواطنها الماء والنور، لا تقدم له خدمة مجانية، بل تشتري بقاءها على قيد الحياة؛ لأن الناس قد يصبرون على الجوع، لكنهم لا يستطيعون العيش في العتمة إلى الأبد.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
