منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

إحياء الحركة التعاونية في السودان (3) التعاونيات الاستهلاكية… صمام أمان للمواطن في مواجهة الغلاء بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن أبوفداية السبت 18 يوليو 2026م

0

إحياء الحركة التعاونية في السودان (3)

التعاونيات الاستهلاكية… صمام أمان للمواطن في مواجهة الغلاء

بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن أبوفداية
السبت 18 يوليو 2026م

في المقالين السابقين تناولنا أهمية الحركة التعاونية بصورة عامة، ثم استعرضنا دور التعاونيات الزراعية في دعم المنتج وتحقيق الأمن الغذائي من خلال تجربة الفلبين. واليوم ننتقل إلى نوع آخر من التعاونيات لا يقل أهمية، وهو التعاونيات الاستهلاكية، التي تمثل في كثير من دول العالم خط الدفاع الأول عن المواطن في مواجهة ارتفاع الأسعار والاحتكار.

وفي ظل ما يشهده السودان من ارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، وتذبذب الأسواق، وتراجع القوة الشرائية، تبرز الحاجة إلى إعادة إحياء التعاونيات الاستهلاكية، ليس باعتبارها منافسًا للتاجر، وإنما باعتبارها شريكًا في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وحماية المستهلك، وتعزيز العدالة في توزيع السلع.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الأسواق تزداد استقرارًا عندما يكون للمستهلكين كيان تعاوني قوي، يستطيع الشراء بكميات كبيرة، والتفاوض مباشرة مع المنتجين والمصنعين، وتوفير السلع بجودة جيدة وأسعار عادلة، بعيدًا عن تعدد حلقات الوساطة التي تزيد التكلفة دون أن تضيف قيمة حقيقية.
*من دفتر الرحلات*
الهند… عندما أصبح المستهلك شريكًا في السوق

خلال زياراتي إلى القارة الهندية، كان من اللافت انتشار الحركة التعاونية في مختلف القطاعات، ولم تقتصر على الزراعة والإنتاج فحسب، بل امتدت إلى تجارة التجزئة، وتوفير السلع الأساسية، والخدمات، والألبان، والتمويل، وغيرها.

وقد شاهدت نماذج لتعاونيات استهلاكية تخدم آلاف الأسر، حيث تقوم بشراء احتياجاتها مباشرة من المنتجين أو المصانع بكميات كبيرة، مما يمنحها أسعارًا تفضيلية، ثم توفر هذه السلع لأعضائها بأسعار أقل من أسعار الأسواق التقليدية، مع المحافظة على الجودة والاستمرارية.

ولم يكن الهدف تحقيق أرباح كبيرة، وإنما تحقيق منفعة جماعية لجميع الأعضاء. فكلما انخفضت تكلفة الشراء، انعكس ذلك مباشرة على الأسرة، وأسهم في تحسين مستوى معيشتها.

كما لفت انتباهي حسن التنظيم، ودقة الإدارة، ووضوح الأنظمة المالية، وحرص مجالس الإدارات على عرض الحسابات بصورة شفافة أمام الأعضاء، مما عزز الثقة واستمرارية هذه الجمعيات لعقود طويلة.

وفي بعض النماذج، كانت الفوائض المالية لا توزع بالكامل، وإنما يعاد استثمار جزء منها في تطوير الخدمات، وافتتاح منافذ بيع جديدة، وتحسين المخازن، وتوسيع الأنشطة، بما يحقق مصلحة الأعضاء على المدى الطويل.

وبسؤالي عن تلك التعاونيات، أدركت أن نجاحها لم يكن بسبب ضخامة رؤوس أموالها، وإنما بسبب التزام أعضائها، والإدارة الرشيدة، والإيمان بأن المصلحة الجماعية تعود بالنفع على الجميع.

ماذا نتعلم للسودان؟

إن السودان يمتلك بيئة مناسبة لنجاح التعاونيات الاستهلاكية، خاصة في الأحياء السكنية، والقرى، والمؤسسات، والجامعات، والنقابات، والهيئات المهنية.

ولو أُعيد تأسيس هذه التعاونيات وفق أسس حديثة، فإنها تستطيع أن:

* توفر السلع الأساسية بأسعار عادلة ومستقرة.
* تحد من الاحتكار والمغالاة في الأسعار.
* تخفف الأعباء المعيشية عن الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
* تعزز ثقافة الادخار والشراء الجماعي.
* تضمن جودة السلع من خلال التعاقد المباشر مع المنتجين والمصنعين.
* تنشئ مخازن ومنافذ بيع حديثة تخدم المجتمعات المحلية.
* تسهم في استقرار الأسواق، خاصة في أوقات الأزمات.

ومن المهم أن تتكامل التعاونيات الاستهلاكية مع التعاونيات الزراعية، بحيث تشتري المنتجات مباشرة من الجمعيات الزراعية، وبذلك نختصر حلقات الوساطة، ويستفيد المنتج والمستهلك في آن واحد.

رسالة إلى صانع القرار

إن إعادة بناء التعاونيات الاستهلاكية يجب أن تكون جزءًا من سياسة وطنية لحماية المستهلك وتعزيز الأمن الاقتصادي.

ولتحقيق ذلك، أقترح ما يلي:

* تحديث التشريعات المنظمة للتعاونيات بما يواكب المتغيرات الاقتصادية.
* تخصيص مواقع مناسبة لإقامة منافذ البيع التعاونية.
* تقديم تسهيلات جمركية وضريبية للتعاونيات الملتزمة بخدمة أعضائها.
* تشجيع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص على إنشاء تعاونيات لموظفيها.
* إنشاء نظام رقابي يضمن الشفافية وحسن الإدارة.
* دعم التحول الرقمي في إدارة التعاونيات، وربطها بأنظمة حديثة للمخزون والمبيعات والمحاسبة.

إن نجاح التعاونيات الاستهلاكية لن ينعكس على أعضائها فحسب، بل سيؤدي إلى خلق سوق أكثر توازنًا واستقرارًا، ويعزز المنافسة الشريفة، ويحد من الممارسات الاحتكارية.

كلمة أخيرة

لقد علمتني رحلاتي أن المجتمعات التي نجحت في تنظيم المستهلكين، كما نظمت المنتجين، استطاعت أن تحقق توازنًا اقتصاديًا واجتماعيًا أفضل.

إن التعاونيات ليست مؤسسات للفقراء كما يظن البعض، بل هي مؤسسات تبني اقتصادات قوية، لأنها تقوم على الثقة، والمشاركة، والإدارة الرشيدة، وتحويل القوة الفردية إلى قوة جماعية.

واليوم، ونحن نبحث عن حلول واقعية لمعالجة أزمات الاقتصاد السوداني، فإن إعادة إحياء التعاونيات الاستهلاكية تمثل خطوة عملية نحو حماية المواطن، واستقرار الأسواق، وتعزيز التكافل الاجتماعي.

“التعاون الحقيقي يبدأ عندما يدرك كل فرد أن مصلحة المجتمع ليست نقيضًا لمصلحته، بل هي الطريق إليها.

المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

abdulkarim.jalhassan@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.