البعد_الاخر مصعب بريــر تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟ الحلقة الثانية: العفو المسموم.. بين شطب “الحق العام” ومصادرة “الحق الخاص”.
البعد_الاخر
مصعب بريــر
تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟
الحلقة الثانية: العفو المسموم.. بين شطب “الحق العام” ومصادرة “الحق الخاص”..
في ثقافة الحوش السوداني الأصيلة، يسامح الناس في الملح والزاد، وقد يتنازل الجار لجاره عن جزء من حده طيبة خاطر. ولكن، ماذا يحدث عندما يأتي شخص غريب ليعفو عن السارق الذي أخذ شقاء عمرك وأحرق بيتك، دون أن يسألك؟
هذا ليس مجرد تساؤل أخلاقي، بل هو جوهر المأزق القانوني والسياسي الذي تثيره دعوات تسوية بلاغات السياسيين عبر اتفاق شطب “الحق العام” و”حفظ الحق الخاص”. ما يجري باختصار هو محاولة جديدة لبيع أوهام الاستقرار على حساب الضحايا، ومصادرة أثمن ما يملكه المواطن في أي دولة محترمة: حقه في العدالة.
من الناحية الظاهرة، قد يبدو العفو السياسي لفتة بارعة لتهيئة المناخ الوطني وتجميع الصفوف لمواجهة خطورة الراهن. طبيعي أن يهلل البعض لهذه الفكرة ظناً أنها تفتح صفحة جديدة. لكن التفكيك القانوني لهذه الخطوة يكشف شيئاً مرعباً: الدولة تمتلك “الحق العام” ولها فيه حدود تقكيرية، أما “الحق الخاص” – وهو حق المواطن الذي نهبت أمواله، أو هُجر من بيته، أو أُريق دمه – فليس ملكاً للرئيس ولا للسياسيين ليقرروا “حفظه” أو تعليقه بقرار إداري فوقي.
حفظ بلاغات الحق الخاص إدارياً هو في واقع الأمر “تجميد للعدالة” واعتداء صريح على السلطة القضائية. كيف سيشعر المواطن في سوق أم درمان أو سوق ليبيا الذي خسر بضاعته وشقى عمره، عندما يرى أن بلاغاته المدوّنة أصبحت معلقة بأمر سياسي، لكي يعود المسؤول إلى واجهة الحياة العامة معززاً؟ هذا المنطق يشبه تماماً موقف صاحب المزرعة الذي يعفو عن اللص الذي أحرق منزل جاره، مدعياً أنه يفعل ذلك لحفظ السلام في الشارع!
وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مرّة: إن محاولة حماية السياسيين من الملاحقة القضائية تحت مسمى “حفظ الحق الخاص” لا تلغي المظالم، بل تحولها من قضايا في أرشيف المحاكم إلى جمر متقد تحت الرماد، ينتظر لحظة أشد قسوة للانفجار الفردي.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن العدالة ليست سلعة في سوق التفاوض السياسي، ولا يمكن مقايضتها بشعارات المصلحة الوطنية المؤقتة. حين تُسلب من الضحية وسيلته القانونية الوحيدة لأخذ حقه، فأنت لا تفرض الأمان في المجتمع، بل تعلن بوضوح سقوط مفهوم الدولة، وتدعوه صراحة للاحتكام لشريعة الغاب.
أخيراً، حفظ القضايا بقرارات فوقية لا يمحو الجريمة من ذاكرة الشعوب، بل يكتبها بحبر دائم في نفوس المنكوبين. وفي بلد ممزق كالسودان، لا توجد جريمة بحق المستقبل أكبر من إقناع المواطن البسيط بأن خصمه السياسي فوق القانون، وأن حقه الخاص مجرد ورقة تُرمى في سلة المهملات لترضية الكبار.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
