منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الخماسية   التوقيع قبل التفاوض

0

الخماسية

التوقيع قبل التفاوض

 

١. الحديث من قبل المنظمات الدولية والإقليمية، ومن خلال مختلف أطر الوساطات، عن رفض الأجسام الموازية والتمسك بوحدة السودان ومؤسساته، لم يكن في كثير من الأحيان سوى وسيلة لطمأنة الحكومة السودانية وتخفيف حساسيتها تجاه المسارات السياسية المطروحة، أكثر من كونه مبدأً حاكماً لتلك المبادرات.

٢. يتجدد الجدل هذه الأيام حول رفض بعض القوى المساندة للحكومة الجلوس مع “تأسيس” التي وجهت لها الآلية الخماسية الدعوة رغم الحديث المتكرر عن رفض الأجسام الموازية. غير أن التركيز على هذه التفاصيل قد يحجب السؤال الأهم: ما هي طبيعة العملية السياسية التي تدعو إليها الخماسية أصلاً؟

٣. فمنذ الاتفاق الإطاري ظلت الأزمة الحقيقية لا تتمثل في أسماء المشاركين بقدر ما تتمثل في طبيعة المنهج المتبع. إذ يلاحظ كثير من المراقبين أن الاجتماعات والمؤتمرات المتعاقبة لا تبدو وكأنها ساحات مفتوحة لصناعة التوافقات، بقدر ما تبدو منصات لاعتماد مخرجات جرى إعداد خطوطها العريضة مسبقاً.

٤. وخلال السنوات الماضية تكررت الآلية ذاتها بأشكال مختلفة. تبدأ العملية بعنوان الحوار السوداني، ثم يجري تقديم مخرجات تعكس رؤية سياسية محددة، وبعد ذلك ينحصر الجهد في البحث عن أكبر قدر ممكن من التأييد السوداني لها حتى تُقدَّم لاحقاً باعتبارها تعبيراً عن توافق وطني.

٥. ومن هنا فإن الجدل الدائر حول الجلوس مع “تأسيس” من عدمه لا يمس جوهر الترتيب الذي وضعته الخماسية. فما يهم الخماسية في المقام الأول هو إثبات مشاركة أكبر عدد ممكن من الأسماء والقوى السياسية، حتى تُستخدم لاحقاً في إضفاء صورة من التوافق على المخرجات النهائية. فالمشاركة الواسعة لا تعني بالضرورة وجود توافق حقيقي، كما لا تعني أن المخرجات قد صُنعت بإرادة المشاركين، خاصة إذا كانوا لا يملكون حق تعديلها أو رفضها أو إعادة صياغتها.

٦. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي تفتقده القوى المساندة للحكومة حتى تبحث عنه في مثل هذه اللقاءات؟ فإذا كانت ترى أن الحكومة تمثل المشروع الوطني القادر على إدارة المرحلة، فلماذا لا تُدار هذه المشاركة من خلال رؤية وطنية واضحة ومتفق عليها؟ وإلا فما الذي يدفعها إلى البحث عن منصات خارجية؟ أم أن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأسس السياسية التي يقوم عليها هذا التأييد، ومدى ارتباطه بمشروع وطني متفق عليه؟

٧. وفي المقابل، فإن جانباً من المسؤولية يقع على الحكومة نفسها. فالحكومة لم تنجح حتى الآن في تحويل التأييد العسكري والسياسي الذي حظيت به خلال الحرب إلى مشروع وطني واسع يستوعب القوى المساندة لها ويمنحها أدواراً حقيقية داخل معادلة القرار الوطني. وعندما تضعف المسارات الداخلية، يصبح اللجوء إلى المنصات الخارجية أكثر إغراءً لبعض الفاعلين السياسيين.

٨. ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينصرف إلى من حضر ومن غاب، وإنما إلى طبيعة المشروع السياسي الذي يجري تسويقه من قبل هذه المنصات الدولية والإقليمية. فالسؤال الجوهري هو: هل نحن أمام مبادرة سياسية حقيقية ومنصة للتفاوض وصناعة التوافقات، أم أمام منصة للتوقيع على مخرجات جرى إعدادها مسبقاً؟ وهل تبحث هذه المنصات عن توافق سوداني حقيقي، أم عن غطاء سوداني يمنح الشرعية لمخرجات جاهزة؟

٩. وعلى ضوء الإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي للحكومة السودانية أن تحدد موقفها بصورة واضحة حول من يقف معها كلياً ومن يقف معها وقلبه معلق بغيرها، وأن تعيد النظر في نهجها لإدارة الملف السياسي. فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة سياسية ودبلوماسية لا تقل خطورة. وإذا لم تنجح الحكومة في بناء مشروع وطني جامع وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الداخلية، فإن الآخرين سيواصلون البحث عن صيغ بديلة لإدارة الأزمة السودانية من خارج الإرادة الوطنية.

١٠. إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس مجرد تعدد المبادرات، وإنما انتقال صناعة الحلول تدريجياً من الداخل إلى الخارج. وكلما استمرت الضبابية في إدارة الملف السياسي، وتعثر السودانيون في بناء منصة وطنية جامعة، ازدادت فرص أن تتحول المبادرات الدولية من أدوات للمساعدة إلى أدوات لتوجيه المسار السياسي السوداني وفقاً لأولويات ومصالح لا يملك السودانيون السيطرة عليها بصورة كاملة

 

تحياتي

الفاتح الشيخ

٤ يونيو ٢٠٢٦

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.