الأمم المتحدة الإنزلاق نحو الاصطفاف
الأمم المتحدة
الإنزلاق نحو الاصطفاف
١. زار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة الخرطوم، والتقى رئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان.
٢. وتأتي هذه الزيارة في توقيت لافت، عقب تعثر اجتماعات أديس أبابا، التي ظهرت فيها الأمم المتحدة ضمن مسار تجاوز التنسيق التقليدي إلى الانخراط في منصة مع منظمات إقليمية لإدارة ملف دولة عضو، في ظل غياب الحكومة السودانية عن تلك الترتيبات.
٣. منذ اندلاع الحرب، ظلت الأمم المتحدة حاضرة في المشهد السوداني عبر مبعوثيها ووكالاتها وتقاريرها المختلفة، التي تناولت الانتهاكات الإنسانية والتدخلات الخارجية.
٤. غير أن تبايناً ظل قائماً بين بعض التقارير الفنية الصادرة عن لجان أممية، وبين الخطابات والبيانات الرسمية، خصوصاً في ما يتعلق بتسمية الأطراف المتورطة في النزاع، وهو ما ألقى بظلال من الالتباس على وحدة الرسالة الأممية.
٥. وفي سياق إدارة الأزمة، ظهرت الأمم المتحدة ضمن آلية إقليمية مشتركة تضم عدداً من المنظمات ذات الصلة بالملف السوداني، رغم أن بعض الدول المنضوية تحت هذه الأطر لها مصالح مباشرة ومتشابكة داخل السودان.
٦. هذا التطور يطرح إشكالاً جوهرياً حول طبيعة الدور الأممي: هل يظل دور حكم محايد يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة، أم يتحول تدريجياً إلى جزء من ترتيبات إقليمية تتقاطع فيها المصالح وتتشابك فيها الحسابات؟
٧. فالأصل أن المنظمات الإقليمية تعكس مصالح دولها الأعضاء وتسعى إلى حمايتها أو تعزيزها، بينما تقوم الأمم المتحدة على فكرة الحياد والاحتكام إلى القانون الدولي دون انحياز لطرف على حساب آخر.
٨. تاريخياً، لم تكن الأمم المتحدة بعيدة عن التعاون مع المنظمات الإقليمية في عدد من الملفات، في إطار ما يعرف بتكامل الأدوار في إدارة النزاعات.
٩. غير أن هذا التعاون ظل في الغالب محكوماً بفصل واضح بين دور الأمم المتحدة كجهة دولية ذات طابع عالمي، وبين أدوار المنظمات الإقليمية ذات الطابع المصالحي، مع احتفاظ المنظمة الدولية بموقع الوسيط المستقل عن توازنات الأطراف.
١٠. ومن هنا يبرز السؤال: هل ما يجري في الحالة السودانية لا يزال ضمن هذا النمط التقليدي من التعاون، أم أنه يقترب من حالة أكثر تعقيداً يصبح فيها الحياد نفسه عرضة للاختبار داخل بيئة إقليمية شديدة التشابك؟
١١. فالميثاق الذي يقوم عليه عمل الأمم المتحدة لا يمنع التعاون مع المنظمات الإقليمية، لكنه يفترض أن تبقى المنظمة الدولية محتفظة باستقلال موقعها وحياد قرارها، باعتبارها جهة حكم دولية لا طرفاً داخل ترتيبات سياسية ذات مصالح متداخلة.
١٢. وقد تجلت هذه الإشكالية بصورة أوضح في اجتماعات أديس أبابا، التي ناقشت مستقبل السودان في غياب الحكومة السودانية، وهي الطرف الرسمي المعترف به دولياً.
١٣. هذا الغياب أعاد طرح سؤال جوهري حول جدوى أي عملية سياسية تتناول مستقبل دولة عضو دون إشراك مؤسساتها الرسمية أو بناء توافق معها منذ المراحل الأولى.
١٤. وفي المقابل، عادت الأمم المتحدة لاحقاً للتواصل المباشر مع الحكومة السودانية عبر زيارة مبعوثها إلى الخرطوم، في إطار مشاورات تتعلق بالسلام وتهيئة المناخ السياسي.
١٥. هذا التتابع بين مسارات إقليمية لا تشمل الدولة، ثم العودة إلى الدولة نفسها، يعكس إشكالية في ترتيب الأولويات داخل المقاربة الدولية للأزمة السودانية، ويثير تساؤلات حول اتساق المنهج.
١٦. وتؤكد التجربة السودانية خلال العامين الماضيين أن تجاوز الدولة يعيد إنتاج التعقيد السياسي بأشكال مختلفة ولا يقود إلى مسار سلام مستقر، وهو ما يفترض أن يشكل قاعدة في أي جهد أممي
١٧. لذلك، فإن الإشكال الأساسي اليوم لا يتعلق بتفاصيل الاجتماعات أو توقيتها، بل بطبيعة الموقع الذي تتحرك فيه الأمم المتحدة: هل تبقى في منطقة الوساطة المحايدة، أم تنزلق عملياً إلى مساحة تداخل سياسي يجعل حدود الدور أكثر ضبابية مما كانت عليه؟
تحياتي
الفاتح الشيخ
٨/يونيو/٢٠٢٦
