منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي أمننا المائي… على حافة العطش

0

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

أمننا المائي… على حافة العطش

أصبح الأمن المائي أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة، في ظل تغيرات المناخ وتعقيدات الجغرافيا السياسية وتنامي التنافس على الموارد. وما كشفته الأيام الماضية من تعثر محطات مياه بحري وأبو سعد والمنارة، وتراجع كفاءة طلمبات الري على امتداد النيل الأزرق والنيل الرئيس، بالتزامن مع الجدل المتجدد حول سد النهضة، يعكس خللًا مؤسسيًا في إدارة أحد أهم الموارد السيادية والتنموية للبلاد ، بعد أن فقد الملف كثيرًا من ثقله الاستراتيجي داخل هيكل الدولة، وتراجع حضوره في أولويات صانع القرار.

إن الأمن المائي لم يعد ملفًا فنيًا يقتصر على حسابات المناسيب وتشغيل الخزانات، بل أصبح أحد أعمدة أمننا القومي وسيادتنا الوطنية. فالدول التي تفقد السيطرة على إدارة مواردها المائية، تفقد مواردها الاقتصادية، بجانب أنها تتنازل عن جزء من استقلال قرارها السياسي. لذلك فإن قراءة ما يحدث اليوم ينبغي ألا تتوقف عند انخفاض منسوب النيل، وإنما عند الرسائل التي يحملها هذا الانخفاض إلى قيادة الدولة.
حيث جاء بيان وزارة الزراعة والري الصادر الجمعة بشأن استقرار الموقف المائي، لطمئنة المواطنين كما كشف في الوقت نفسه – من حيث أراد أو لم يرد – عن حقيقة مزعجة، وهي أن السودان دخل بالفعل مرحلة هيدرولوجية جديدة فرضتها المتغيرات في حوض النيل، وفي مقدمتها تشغيل سد النهضة. فالبيان الذي أكد أن الموقف المائي مستقر ومطمئن، وأرجع الانخفاض في مناسيب النيل إلى تراجع تصريفات السد، حمل ضمنياً اعترافًا بأن إدارة النهر لم تعد كما كانت، وأن السودان أصبح يتعامل مع واقع مائي جديد يحتاج إلى أدوات مختلفة ورؤية أكثر استباقية.

كذلك تكمن أهمية البيان، بعيدًا عن الأرقام المتعلقة بالإيرادات المائية واستقرار تشغيل الخزانات، في أنه كشف أن أمننا المائي بات رهينًا لمتغيرات إقليمية وهيدرولوجية جديدة تتجاوز الإدارة اليومية. فانخفاض الوارد إلى بحيرة الروصيرص وما صاحبه من تراجع في مناسيب بعض المحطات يعد مؤشر خطير يستوجب مراجعة شاملة لكيفية إدارة هذا المورد الاستراتيجي.

ومن هذه النقطة يبدأ السؤال الحقيقي: هل يكفي أن ننجح في تجاوز الانخفاض المؤقت، أم أن المطلوب هو بناء منظومة مائية قادرة على التعامل مع التحولات القادمة؟ فالبيان طمأن المواطن، وهذا مهم، لكنه في الوقت ذاته فتح بابًا أوسع للنقاش حول مستقبل الأمن المائي في بلادنا .

أولى الرسائل أن إدارة المياه لم تعد قضية خدمية، بل قضية سيادة. فغياب مؤسسة مستقلة تقود هذا الملف خلق فراغًا استراتيجيًا أضعف التخطيط والتنسيق والاستجابة. لذا فإن إعادة وزارة الموارد المائية بات أمراً حتمياً ومهماً، بل استردادٌ لقدرة الدولة على إدارة أحد أهم عناصر أمننا القومي.

أما الرسالة الثانية، فهي أن الأزمة أكدت امتلاك السودان خبرات وطنية قادرة على تقديم حلول عملية. فقد طرح المهندسون حلولًا فنية، أبرزها إعادة ضبط تصريفات خزانات الروصيرص وجبل أولياء وخشم القربة، إلى جانب تحسين تشغيل منظومة السدود وإزالة الإطماء ،وصولًا لرفع كفاءة الإمداد المائي. ورغم أهمية هذه المعالجات، فإنها تظل احتواءً للأزمة لا بديلًا عن استراتيجية وطنية شاملة للأمن المائي.

تفرض تحولات حوض النيل والتغيرات المناخية وواقع سد النهضة على بلادنا الانتقال من إدارة المنشآت إلى إدارة منظومة مائية متكاملة، تقوم على تشغيل الخزانات كوحدة واحدة، وتطوير الرصد والإنذار المبكر، وإنشاء مركز وطني للمعلومات المائية. فالمعلومة الدقيقة أصبحت جزءًا من إدارة الأزمة وبناء الثقة، مع مراعاة متطلبات الأمن القومي. كما أن المرحلة تتطلب بحسب الخبراء إعادة التفكير في فلسفة التخزين المائي، لأن حماية الأمن المائي لا ترتبط فقط بحجم الموارد، بل بقدرة الدولة على إدارتها وتأمينها عبر مشروعات استراتيجية تحفظ حقوق الأجيال القادمة.

غير أن مركز الأزمة يبقى لدى المواطن، فالمزارع والأسرة لا يقرآن مؤشرات المناسيب وتقارير التشغيل، بل يقيسان قدرة الدولة بوصول المياه إلى الحقل والمنزل. لذلك فإن الشفافية في تفسير الأزمة وإعلان مسارات المعالجة ليست إجراءً إعلاميًا، بل جزء من منظومة الأمن المائي وبناء الثقة. وقد كشفت هذه الأزمة أن المياه لم تعد موردًا طبيعيًا يُدار بالمنطق الخدمي، وإنما أصبحت عنصرًا من عناصر السيادة يرتبط بالأمن الغذائي والطاقة والاستقرار ومكانة البلاد الإقليمية، ما يفرض الانتقال إلى استراتيجية وطنية تحمي المورد قبل أن تتحول الندرة إلى أزمة وجود.

يملك السودان موارد مائية وخبرات تؤهله ليكون قوة مائية في الإقليم، لكن ذلك بحسب #وجه_الحقيقة يتطلب الانتقال بالمياه من ملف خدمي إلى قضية سيادة وطنية. ومن هنا فإن إنشاء هيئة وطنية للأمن المائي، تتبع لرأس الدولة ،تجمع الخبرة والمعلومة والقرار، بات ضرورة عاجلة. فالمشكلة ليست في انحسار النيل بقدر ما هي في غياب الاستعداد، لأن دولة النيلين قد تواجه العطش قريباً إذا لم تدرك أن حماية الماء هي حماية للحاضر والمستقبل.

دمتم بخير وعافية.
الأحد 19 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

#أمننا_المائي #الأمن_المائي #السودان #سد_النهضة #الموارد_المائية #الأمن_القومي #حوض_النيل #تغير_المناخ #تغيرات_المناخ #إبراهيم_شقلاوي

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.