بنك السودان… هيبة الرقابة قبل عقوبات المصارف الفاتح الشيخ
بنك السودان… هيبة الرقابة
قبل عقوبات المصارف
الفاتح الشيخ
١ . لم يكن الخبر الذي بثته وكالة السودان للأنباء عن اتخاذ بنك السودان المركزي إجراءات رقابية وإدارية بحق عدد من المصارف مجرد خبر مصرفي عابر، وإنما يمثل مؤشراً على محاولة استعادة الدور الذي ظل كثيرون يرون أنه تراجع خلال السنوات الماضية. فالمصرف المركزي لا تُقاس مكانته بحجم المنشورات التي يصدرها، وإنما بقدرته على فرض الانضباط على الجهاز المصرفي بأكمله.
٢ . لقد ارتبطت خلال الفترة الماضية كثير من القضايا التي شغلت الرأي العام بسؤال واحد: أين الرقابة المصرفية؟ وربما كانت لدى البنك المركزي مبرراته أو تفسيراته لما أثير حول ضعف المتابعة أو محدودية الإحاطة، لكن المؤكد أن استمرار الجدل في حد ذاته كان دليلاً على أن السوق كان ينتظر حضوراً رقابياً أكثر قوة واستمرارية.
٣ . الإجراءات الأخيرة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها جاءت محصورة في مخالفات النقد الأجنبي، وهو ما يجعلها تبدو مرتبطة بالتدهور الذي يشهده سعر الصرف أكثر من ارتباطها بمشروع إصلاح رقابي شامل. ولا خلاف على أهمية ضبط سوق النقد الأجنبي، لكن من الخطأ اختزال دور البنك المركزي في إدارة أزمة سعر الصرف وحدها.
٤ . فمن المعلوم أن استقرار سعر الصرف لا يتحقق بالعقوبات الإدارية وحدها، وإنما يحتاج إلى سياسات نقدية واقتصادية متكاملة تعالج أسباب الاختلال، بينما تظل الرقابة إحدى الأدوات المساندة التي تمنع التجاوزات وتفرض الانضباط، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الخلل الاقتصادي.
٥ . والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تمتد الرقابة إلى الملفات التي تمس سلامة الجهاز المصرفي بصورة مباشرة؛ مثل مراجعة ضمانات التمويل، ومتابعة عائدات الصادر، والتصدي لظاهرة العمل بأكثر من اسم تجاري للتحايل على الضوابط الرقابية، إضافة إلى الحد من احتكار فئة محدودة لودائع بعض المصارف واستخدامها كرأسمال منخفض التكلفة، بما يخل بعدالة توزيع التمويل ويضعف فرص المنافسة.
٦ . كما ينبغي أن تشمل الرقابة مراجعة أي علاقات قد تثير شبهات تضارب المصالح بين بعض العاملين في الجهاز المصرفي وبعض رجال الأعمال، بما يضمن استقلال القرار الائتماني، ويغلق أبواب تبادل المنافع، ويعزز ثقة المتعاملين في عدالة النظام المصرفي.
٧ . وبالموازاة مع ذلك، فإن من أهم أدوار البنك المركزي توجيه السياسات التمويلية نحو القطاعات الإنتاجية التي تسهم في زيادة الدخل القومي، وتوفر فرص العمل، وتدعم توطين الصناعات البديلة للواردات. فكل صناعة تُقام داخل السودان تمثل في الوقت نفسه خطوة لتقليل الطلب على النقد الأجنبي، سواء في الصناعات الدوائية أو الغذائية أو النسيجية وغيرها، كما أن تصنيع المواد الخام محلياً بدلاً من تصديرها خاماً ثم استيرادها بعد التصنيع، يضيف قيمة للاقتصاد الوطني، ويخفف الضغوط على سوق النقد الأجنبي.
٨ . ولا يقل أهمية عن ذلك استكمال الربط الشبكي بين المصارف والجهات الحكومية المختصة، مثل الضرائب والجمارك وغيرها من مؤسسات التحصيل، بما يعزز الشفافية، ويحد من التهرب المالي، ويرفع كفاءة الدورة الاقتصادية، ويجعل الرقابة أكثر فاعلية وسرعة.
٩ . إن قوة بنك السودان المركزي لا تُقاس بقدرته على إصدار العقوبات في ظرف استثنائي، وإنما بقدرته على بناء منظومة رقابية مؤسسية دائمة، تطبق القواعد على الجميع دون استثناء، وتمنع التجاوز قبل وقوعه.
١٠ . فالأسواق لا تستجيب للعقوبات بقدر ما تستجيب لليقين. وعندما يثق المتعاملون بأن الرقابة مستمرة، وأن العدالة تطبق على الجميع، تصبح هيبة البنك المركزي جزءاً من استقرار السوق، لا مجرد سلطة لإصدار المنشورات والعقوبات.
١١ . فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من حملات رقابية موسمية تفرضها أزمات سعر الصرف، وإنما من بناء منظومة مصرفية متكاملة تجمع بين الرقابة الفاعلة، والسياسات التمويلية الرشيدة، وتوجيه الائتمان نحو الإنتاج وتوطين الصناعات، بما يعزز قيمة الجنيه، ويخفف الطلب على النقد الأجنبي، ويضع الاقتصاد الوطني على مسار أكثر استقراراً واستدامة.
