أبيي قبل أن تتحول الوقائع إلى أدلة قانونية الفاتح الشيخ
أبيي قبل أن تتحول
الوقائع إلى أدلة قانونية
الفاتح الشيخ
١ . أعلنت حكومة جنوب السودان عزمها على إجراء انتخابات في منطقة أبيي، باعتبارها رقعة جغرافية جنوبية. ويمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها بداية لمسار قد يهدف إلى بناء وقائع متراكمة يمكن الاستناد إليها مستقبلاً ضمن أي مسار قانوني يتعلق بالنزاع حول المنطقة، خاصة أن الانتخابات لا تنشئ السيادة بذاتها، وإنما تكتسب قيمتها القانونية عندما تكون جزءاً من ممارسة فعلية ومستمرة لسلطات الدولة داخل الإقليم المتنازع عليه، وفقاً للمبادئ المستقرة في القانون الدولي.
٢ . فالمحاكم الدولية لا تنظر إلى الإعلانات السياسية المجردة، وإنما تبحث في الوقائع التي تعكس ممارسة الدولة لاختصاصاتها بصورة فعلية ومستمرة. ولذلك أصبحت السيطرة الفعلية، وما يرتبط بها من إدارة مدنية، وأجهزة حكومية، وخدمات عامة، وانتخابات، من أهم عناصر الإثبات في منازعات السيادة على الأقاليم.
٣ . ومن المعلوم أن السودان يستند في جانب من حججه المتعلقة بحلايب إلى هذا المبدأ، إذ يؤكد أنه مارس الإدارة الفعلية للمنطقة، وكانت جزءاً من دوائره الانتخابية، وأُجريت فيها الانتخابات قبل أن تفرض مصر سيطرتها الفعلية على المثلث عام 1995. وهذا يؤكد أن قيمة الانتخابات لم تكن في إجرائها وحده، وإنما في ارتباطها بممارسة فعلية للسلطة على الأرض.
٤. ومن هذا المنطلق، فإن قرار مفوضية الانتخابات في جنوب السودان بإدراج أبيي ضمن دوائرها الانتخابية لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً انتخابياً معزولاً، وإنما باعتباره خطوة يمكن أن تندرج ضمن بناء وقائع قانونية متراكمة، إذا اقترنت بإدارة فعلية، ومؤسسات حكومية، وممارسة مستمرة لاختصاصات الدولة داخل المنطقة.
٥ . وتأتي هذه الخطوة في توقيت يتزامن مع واقع أمني معقد فرضته الحرب داخل المناطق المتاخمة لأبيي، ولا سيما أجزاء من غرب كردفان. كما تتقاطع مع وجود مجموعات مسلحة وتحالفات عسكرية أفرزتها الحرب، من بينها مشاركة عناصر من جنوب السودان في القتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع، وهو ما قد يهيئ بيئة تسمح بتكوين وقائع ميدانية جديدة إذا لم تُواجه بتحرك سوداني مبكر.
٦. وإذا أضيف إلى ذلك اصطفاف الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو مع قوات الدعم السريع، وما يرتبط بذلك من علاقات مع جنوب السودان، إلى جانب مشاركة بعض أبناء المسيرية في القتال، فإن استمرار هذه المعطيات قد يفتح المجال لوجود إداري أو أمني أكثر رسوخاً في محيط أبيي، وهو ما قد يتيح لحكومة جنوب السودان بناء حجة قانونية تستند إلى مبدأ السيطرة والإدارة الفعلية، وهو ذات المبدأ الذي يستند إليه السودان في جانب من حججه بشأن حلايب.
٧ . وفي الوقت نفسه، فإن وجود بعثة الأمم المتحدة الأمنية في أبيي (يونيسفا) لا يمنح السيادة لأي طرف، لأن وجودها جاء لإدارة وضع استثنائي في منطقة متنازع عليها. غير أن وجودها يعني أيضاً أن كل ما يجري داخل المنطقة يخضع لمتابعة وتوثيق دوليين، الأمر الذي يجعل من الضروري أن يقابل السودان أي تطورات تمس وضع أبيي بتحرك قانوني ودبلوماسي موثق، حتى لا تتحول الوقائع المتراكمة إلى عناصر إضافية في ملف الطرف الآخر.
٨. ومن ثم، فإن من مصلحة السودان ألا يسمح بقيام وقائع مشابهة في أبيي دون مواجهة قانونية وسياسية ودبلوماسية منذ بدايتها. فأخطر ما يمكن أن يواجه السودان اليوم ليس إجراء الانتخابات في أبيي بحد ذاته، وإنما ترك الظروف الراهنة تتحول إلى بيئة تسمح بتراكم مظاهر السيطرة الفعلية بمرور الزمن.
٩ . فالنزاعات الحدودية لا تُحسم بقرار واحد، وإنما بسلسلة من الوقائع التي تتراكم عاماً بعد عام، ثم تُستدعى لاحقاً أمام هيئات التحكيم والمحاكم الدولية باعتبارها أدلة على ممارسة السيادة.
١٠. لذلك، فإن التعامل مع أبيي يجب ألا يظل رهيناً بتطورات المعركة العسكرية وحدها. فبينما تخوض القوات المسلحة معركتها في الميدان، ينبغي أن تخوض مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية والفرق القانونية والإعلامية، معركة موازية لا تقل أهمية، تقوم على توثيق الاعتراضات، وكشف أي محاولات لفرض أمر واقع جديد، قبل أن تتحول هذه الوقائع إلى أوراق قانونية يصعب التعامل معها مستقبلاً.
١١ . وإلى جانب التحرك القانوني والدبلوماسي، تبرز أهمية العمل الوطني مع المكونات الاجتماعية، وفي مقدمتها المسيرية، باعتبارهم أصحاب مصلحة مباشرة في استقرار المنطقة. ولا ينبغي أن يظل هذا الملف مسؤولية القيادات الأهلية وحدها، بل يجب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في دعمه سياسياً وتنموياً وأمنياً، لأن الحفاظ على الوجود السوداني في أبيي ومحيطها لا يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها، وإنما أيضاً بالحفاظ على الحاضنة الاجتماعية التي تمثل أحد أهم عناصر الوجود الوطني على الأرض.
١٢ . إن معركة أبيي لم تعد مجرد خلاف حول ترسيم الحدود، بل أصبحت معركة على صناعة الوقائع قبل أن تتحول إلى وثائق، وعلى بناء الأدلة قبل أن تتحول إلى أحكام. ففي القانون الدولي لا تُكتب الأحكام أولاً ثم تُجمع الأدلة، وإنما تُجمع الوقائع أولاً، ثم تتحول مع الزمن إلى أدلة، وقد تتحول الأدلة لاحقاً إلى أحكام. ولذلك فإن حماية الحقوق تبدأ منذ اللحظة التي تبدأ فيها الوقائع في التشكل، لا بعد أن تستقر وتصبح جزءاً من التاريخ.وهذا لا يتأتي ببيانات الشجب والإدانة فقط.
