منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

السودان و السعودية يتجهان للتوقيع على “10” مشروعات كبرى،، من الدعم السياسي إلى شراكة المصالح.. تطور مهم.. الذهب والغذاء والموانئ والإعمار..استثمارات سعودية مُرتقبة.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

0

السودان و السعودية يتجهان للتوقيع على “10” مشروعات كبرى،،
من الدعم السياسي إلى شراكة المصالح.. تطور مهم..
الذهب والغذاء والموانئ والإعمار..استثمارات سعودية مُرتقبة..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

تتجه الخرطوم والرياض إلى تدشين مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية، مع ترتيبات مرتقبة لتوقيع اتفاقية تأسيس مجلس التعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية في السابع عشر من أغسطس الجاري، بمشاركة وزيري خارجية البلدين وعدد من المسؤولين في قطاعات الاستثمار والاقتصاد والتجارة، ووفقاً لما أوردته صحيفة الاقتصادية السعودية نقلاً عن مصدر دبلوماسي سوداني، فإن أجندة المجلس تتضمن عشرة ملفات اقتصادية رئيسة، تشمل إعادة إعمار السودان، والزراعة والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والذهب والتعدين، والبحر الأحمر والموانئ، والطاقة والكهرباء، والتمويل والمصارف، والصناعة والتصنيع الغذائي، والاتصالات والتحول الرقمي، إلى جانب السياحة والعقار والخدمات، ولا تكمن أهمية الخطوة في عدد الملفات بقدر ما تكمن في طبيعة الإطار الجديد لإدارة العلاقة بين الخرطوم والرياض؛ إذ يجمع المجلس المقترح الملفات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية والتجارية تحت مظلة واحدة، بما يفتح الباب أمام انتقال العلاقات من الدعم السياسي والإنساني إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد تقوم على المصالح المتبادلة.
علاقة تتجاوز الأزمات:
وظل السودان خلال السنوات الماضية حاضراً في السياسة السعودية باعتباره دولة عربية ذات أهمية جغرافية واستراتيجية، وتجلّى الدعم السياسي والإنساني السعودي للخرطوم في محطات مختلفة، خصوصاً منذ اندلاع الحرب، لكن تأسيس مجلس للتعاون والتنسيق الاستراتيجي يطرح تصوراً مختلفاً للعلاقة، لا يتعامل مع السودان فقط من زاوية أزمته الراهنة، وإنما باعتباره دولة تملك موارد وفرصاً وموقعاً يمكن أن يتحول إلى رافعة لشراكة اقتصادية واسعة، وتكتسب الخطوة أهمية إضافية في ضوء الاجتماع الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مكة المكرمة في مايو 2025م، حيث جرى خلال الاجتماع بحث المبادرة وأهميتها السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية، ومن هنا، يمكن أن يمثل المجلس مظلةً عليا لتنسيق العلاقة، بدلاً من بقاء ملفاتها موزعة بين لجان واتفاقيات وقطاعات منفصلة.
منظومة اقتصادية واحدة:
ترسم قائمة المشروعات المقترحة ملامح منظومة اقتصادية متكاملة؛ فالزراعة والأمن الغذائي والثروة الحيوانية يمكن أن ترتبط بالتصنيع الغذائي، بينما يحتاج التعدين والذهب إلى التمويل والطاقة والنقل، وتحتاج حركة الصادرات والواردات إلى الموانئ والخدمات اللوجستية، فيما يشكل التحول الرقمي بنية مساندة لهذه القطاعات، وبذلك، لا تصبح المشروعات العشرة فرصاً متفرقة، وإنما حلقات في سلسلة اقتصادية تبدأ من الإنتاج والموارد، مروراً بالتمويل والتصنيع، وانتهاءً بالنقل والتصدير والأسواق، وتفتح مشروعات إعادة الإعمار المجال أمام استثمارات واسعة في الطاقة والبنية التحتية والصناعة، فيما تمنح الزراعة والثروة الحيوانية فرصة لبناء شراكات طويلة الأجل في الأمن الغذائي والتصنيع والتصدير. أما الذهب والتعدين، فيمكن أن يشكلا مدخلاً لاستثمارات ذات قيمة مضافة، إذا تجاوز التعاون مرحلة استخراج الموارد إلى المعالجة والتصنيع والخدمات المرتبطة بها.
بوابة القرن الأفريقي:
ويقول لسان التحليل الاستراتيجي، إن البعد الأكثر أهميةً في شراكة الخرطوم والرياض، يكمن في موقع السودان على خريطة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فالسعودية التي تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجالاً حيوياً لأمنها واقتصادها وحركة تجارتها، تحتاج إلى شراكات مستقرة وفاعلة على الضفة الغربية للبحر الأحمر. وهنا تبرز أهمية السودان بما يمتلكه من ساحل طويل وموانئ وموقع يجعله جسراً بين الخليج والقرن الأفريقي وشرق القارة، ومن شأن الاستثمار السعودي في الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة والنقل البحري، بالتوازي مع الاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين، أن يمنح الرياض منصة اقتصادية للانفتاح على أسواق وموارد القرن الأفريقي، وفي المقابل، يستطيع السودان تحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية إذا نجح في تطوير موانئه وبنيته التحتية وربطها بشبكات التجارة الإقليمية، وتتجاوز أهمية المجلس بالنسبة إلى السودان جذب الاستثمارات السعودية إلى إمكانية توظيفها ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الاقتصاد الوطني بعد الحرب.
ماذا تريد الرياض؟:
وبإجماع مراقبين فإن دوافع الاستثمار السعودي تتعدد في السودان، بيد أن القاسم المشترك بينها هو البحث عن فرص تحقق عائداً اقتصادياً وتخدم المصالح الاستراتيجية للمملكة، فالذهب والتعدين يمثلان قطاعاً جاذباً، بينما تكتسب الزراعة والثروة الحيوانية أهميةً في ضوء توجهات الأمن الغذائي وتأمين سلاسل الإمداد، أما البحر الأحمر والموانئ فيمثلان البعد الجغرافي واللوجستي، في حين تفتح إعادة الإعمار والطاقة والصناعة والاتصالات أبواباً واسعة أمام الشركات والاستثمارات السعودية، وبذلك يمكن أن تتشكل معادلة جديدة عنوانها: رأس المال السعودي في مواجهة الفرص والموارد السودانية، بما يتيح للسودان تقديم نفسه ليس كسوق استهلاكية، وإنما كشريك إنتاجي ولوجستي يمكن أن يخدم مصالح المملكة ويمتد أثره إلى أسواق المنطقة.
بداية حقيقية:
وترى المحللة الاقتصادية الأستاذة نازك شمام أن توقيع اتفاق تأسيس المجلس الاستراتيجي للتنسيق الاقتصادي بين الخرطوم والرياض يمثل انتقالاً مهماً في طبيعة التعاون بين البلدين، من خانة الدعم السياسي إلى الدعم اللوجستي والاقتصادي الذي يحتاجه السودان بوضوح، وقالت شمام في إفادتها “للكرامة”، إن السعودية ظلت شريكاً فاعلاً في مختلف الأحداث التي مرت على السودان، وكانت حاضرة بالدعم الخيري والمعونات خلال الكوارث الطبيعية التي ألمّت بالبلاد، معتبرة أن إنشاء مجلس التنسيق السعودي – السوداني المشترك يصب في صالح اقتصاد البلدين، وإن كان التأثير الإيجابي الأكبر سيعود على الاقتصاد السوداني، وأكدت أن السودان يمتلك الموارد الطبيعية، لكنه يفتقر إلى رؤوس الأموال الكافية لاستغلالها، ومن ثم فإن تشكيل المجلس يمكن أن يخلق نوعاً من التكامل بين رؤوس الأموال والموارد، بما يحقق قدراً من الاستقرار للاقتصاد السوداني الذي يعاني من ويلات الحرب، غير أن شمام تلفت إلى تحدٍ مؤسسي يتمثل في احتمال حدوث اختلال وعدم تنسيق بين المجلس والمؤسسات ذات الصلة بالعملية الاستثمارية أو الكيانات الأهلية مثل اتحاد أصحاب العمل، وهو ما يستلزم تحديد الاختصاصات وتوضيحها بصورة جلية لا لبس فيها، وتتوقع الأستاذة نازك شمام أن يكون للمجلس تأثيرٌ مباشر على الاستثمارات السعودية في السودان، ولا سيما المشروعات الاستراتيجية، معتبرةً أن الخطوة ربما تشكل بداية حقيقية للاستثمار والتعاون الإقليمي على شواطئ البحر الأحمر.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن تحويل المشروعات العشرة من ملفات تفاوضية إلى مشروعات فعلية سيضع العلاقة السودانية – السعودية أمام تحول يتجاوز الاتفاقيات التقليدية؛ فمجلس التعاون والتنسيق الاستراتيجي قد يكون نقطة انطلاق لإعادة تعريف العلاقة نفسها، من علاقة تحكمها الأزمات إلى شراكة تحركها المصالح، ومن تعاون محدود في الملفات إلى منظومة اقتصادية واستثمارية تمتد من الخرطوم إلى البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك إلى قلب القرن الأفريقي.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.