بين زيف الخطاب وحقائق الميدان.. لا تسقط الجرائم ================ كتب/ حسن البصير

- بين زيف الخطاب وحقائق الميدان.. لا تسقط الجرائم
✍️كتب/ حسن البصير
▪️منذ اندلاع الحرب، شهد السودان واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخه الحديث، بعد أن ارتكبت مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) انتهاكات واسعة طالت المدنيين الأبرياء في القرى والمدن، فامتلأت الأرض بدماء الضحايا، وامتلأت البيوت بالأرامل والأيتام، وتحولت مناطق واسعة إلى مسارح للقتل والنهب والحرق والتهجير القسري. ولم تقف الجرائم عند حدود إزهاق الأرواح، بل تجاوزتها إلى الاعتداء على الأعراض، وارتكاب جرائم الاغتصاب، وترويع الآمنين، وتدمير الممتلكات، وانتهاك كل القيم الدينية والإنسانية والأعراف السودانية الأصيلة. إنها جرائم لن يمحوها الزمن، ولن تسقط بالتقادم، لأن الدماء لها ذاكرة، والضحايا لهم حق، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، ويقول أيضاً: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
▪️واليوم، وبينما تتعالى الأصوات المطالبة بوقف الحرب وعودة الأمن والاستقرار، يبقى مطلب العدالة هو الركيزة التي لا يجوز تجاوزها أو الالتفاف عليها. فالسودان بحاجة إلى سلام يقوم على الحق، لا على النسيان، وإلى مصالحة تؤسس لها العدالة، لا المساومات السياسية. فالجرائم الكبرى لا تُغسلها التصريحات الإعلامية، ولا تمحوها تبدلات المواقف، ولا تُسقطها الحسابات السياسية المتغيرة.
▪️إن الوطن الذي قدم آلاف الشهداء يستحق أن تُصان فيه الحقوق، وأن يُنصف فيه المظلوم، وأن يُحاسب فيه كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، وفق القانون والقضاء، حتى لا تتكرر المأساة، وحتى يعلم كل من تسول له نفسه العبث بأمن البلاد أن العدالة باقية، وأن الحقوق لا تموت.
▪️في هذا السياق، ظهر القائد الميداني لمليشيا الدعم السريع، عثمان عمليات، في تسجيل متداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متحدثاً عن الحرب وبداياتها وأهدافها، ثم متناولاً مآلاتها وما يتوقعه في المرحلة المقبلة. غير أن أكثر ما استوقف المتابعين لم يكن حديثه عن الماضي، وإنما التحول الواضح في طبيعة الخطاب، إذ بدا وكأنه يحاول الانتقال من خطاب القوة والهجوم إلى خطاب الدفاع عن النفس والعِرض والأرواح، وهو تحول يثير كثيراً من علامات الاستفهام حول دوافعه وتوقيته.
وقد تفتح الخرطوم ذراعيها يوماً لاستقبال عثمان كما استقبلت من قبل آخرين عادوا من ميادين الصراع، وربما تشمله تسويات السياسة وتقلباتها، وقد يحاول البعض إعادة تقديمه بصورة تختلف عن الصورة التي عرفه بها الناس خلال الحرب. فالساحة السياسية كثيراً ما تشهد مفارقات يصعب تفسيرها، وتبدلات تجعل من كان مرفوضاً بالأمس مقبولاً اليوم. لكن شيئاً واحداً يبقى ثابتاً لا يتغير، وهو أن ذاكرة الشعوب ليست بهذه الهشاشة، وأن الضحايا لا ينسون، وأن المسؤولية عن الجرائم لا تزول بتغير المواقف أو تبدل الخطابات.
إن حديث عثمان عن حماية الأنفس والأعراض يطرح سؤالاً مشروعاً: من الذي كان يهدد هذه الأنفس والأعراض طوال الأشهر الماضية؟ ومن الذي جعل ملايين السودانيين يفرون من ديارهم، تاركين خلفهم بيوتهم ومزارعهم وممتلكاتهم؟ ومن الذي بث الرعب في نفوس الأطفال والنساء وكبار السن؟
أين كان هذا الحديث عندما كانت قرى الجزيرة تتعرض للاجتياح، وأحياء الخرطوم تتحول إلى ساحات للنهب والقتل، ومدن دارفور وكردفان تكتوي بنيران الحرب؟ وأين كان عندما تناقلت المنظمات الدولية وشهادات الضحايا روايات عن القتل خارج نطاق القانون، والاعتداءات الجنسية، والاختفاء القسري، والنهب المنظم، والانتهاكات التي هزت ضمير العالم؟
▪️إن الادعاء بحماية المدنيين لا يكتسب مصداقيته من الكلمات، وإنما من الوقائع على الأرض. والوقائع التي عاشها السودانيون خلال هذه الحرب كانت مؤلمة وقاسية، ولا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير نبرة الخطاب. فالناس لا يحاكمون الأقوال، وإنما يحاكمون الأفعال.
▪️العدالة ليست انتقاماً، وإنما هي الضمانة الوحيدة لبناء دولة مستقرة يحترم فيها القانون، ويشعر فيها المواطن أن حقوقه مصونة، وأن دماء الأبرياء ليست سلعة في سوق المساومات.
ولذلك، فإن أي حديث عن المستقبل ينبغي أن يبدأ بالاعتراف بمعاناة الضحايا، واحترام حقهم في الإنصاف، والالتزام بمبدأ المساءلة وفق القانون، بعيداً عن خطاب الكراهية أو التعميم أو الدعوات إلى الانتقام. فالأوطان تُبنى بالعدل، لا بالإفلات من العقاب، والسلام الحقيقي لا يقوم إلا على الحقيقة والإنصاف وتبقي السودان وطناً يتسع لجميع أبنائه تحت مظلة الحق والعدل وسيادة القانون.
