منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

عندما يصبح النيل مصيدة للموت د.إسماعيل الحكيم 

0

عندما يصبح النيل مصيدة للموت

 

د.إسماعيل الحكيم

 

 

لم يعد الخبر الذي يتكرر بين حين وآخر عن افتراس تمساح لأحد المواطنين على ضفاف النيل مجرد حادثة عادية وطبيعية تُسجل في دفاتر البلاغات، ولكنها تصبح ناقوس خطر يقرع أبواب الجهات المختصة، وينذر بأن ثمة خللاً في إدارة هذا الملف البيئي والأمني والإنساني. فحين يصبح النهر، الذي ظل عبر التاريخ عنواناً للحياة، موضع خوف وترقب، فإن القضية تتجاوز التمساح نفسه لتصبح سؤالاً عن الدولة، وعن مسؤولية المؤسسات، وعن حق المواطن في أن يأمن على نفسه وهو يقترب من مورد حياته.

إن المواطن البسيط الذي ينزل إلى النيل ليستقي الماء، أو يغسل ثيابه، أو يمارس الصيد، أو يعبر ضفته، لا يخوض معركة مع وحش مفترس، وإنما يمارس حقاً طبيعياً كفلته له الحياة نفسها. ولذلك فإن تركه يواجه مصيره منفرداً أمام فكوك التماسيح ليس قدراً لا يُدفع، وإنما تقصير يمكن معالجته بالإدارة الرشيدة والتخطيط العلمي.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تأجيله: أين شرطة الحياة البرية؟ وأين فرق الرصد والمتابعة والتدخل السريع؟ وهل تمتلك هذه الجهة خرائط واضحة لمناطق تكاثر التماسيح ومساراتها؟ وهل توجد دوريات ميدانية لمراقبة البؤر الخطرة، أم أن التدخل لا يأتي إلا بعد أن يبتلع النهر ضحية جديدة؟

إن وظيفة شرطة الحياة البرية لا تقتصر على حماية الحيوانات من الإنسان، وإنما تمتد كذلك إلى حماية الإنسان من الأخطار التي قد تنشأ عن الحياة البرية، وتحقيق التوازن بين صون البيئة وصيانة الأرواح. فالدولة التي تحمي تنوعها الحيوي مطالبة بالقدر نفسه أن تحمي مواطنيها، فلا يكون الحفاظ على الحياة الفطرية على حساب الحياة البشرية.

ولعل من أهم أسباب تزايد ظهور التماسيح اقترابها من المناطق المأهولة بحثاً عن الغذاء، وتغير بيئاتها الطبيعية، وانخفاض معدلات الصيد الجائر الذي كان يحد من أعدادها في بعض المناطق، فضلاً عن غياب الدراسات الميدانية المستمرة التي ترصد تحركاتها وتحدد أماكن خطورتها. كما أن التوسع السكاني على ضفاف النيل جعل الاحتكاك بين الإنسان والتمساح أكثر تكراراً، فازدادت الحوادث واتسعت دائرة الخطر.

غير أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الرسمية وحدها، فالتوعية العامة تمثل خط الدفاع الأول. كم من مواطن يدرك أوقات نشاط التماسيح؟ وكم منهم يعرف أن النزول إلى المياه عند الفجر أو الغروب يزيد احتمالات التعرض للخطر؟ وكم من قرية وُضعت فيها لافتات تحذيرية أو نُفذت فيها حملات إرشادية تبين أماكن السباحة الآمنة ومواقع الخطر؟

إن الجرعات التوعوية ليست منشوراً يُعلق على الجدران، وإنما برنامج متكامل تشارك فيه وزارات الداخلية والإعلام والصحة والتعليم والسلطات المحلية، وتُسهم فيه المساجد والمدارس والإذاعات المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى تصبح ثقافة الوقاية جزءاً من السلوك اليومي للمواطن.

أما الإعلام، فليس مطلوباً منه أن يكتفي بنقل صور الضحايا أو ملاحقة تفاصيل المآسي، وإنما أن يقود حملة وطنية للتوعية، وأن يفتح ملف السلامة على ضفاف النيل، ويستضيف الخبراء، ويطالب الجهات المختصة بخطط واضحة، ويراقب تنفيذها، ويحول القضية من خبر موسمي إلى قضية رأي عام حتى لا تتكرر الفواجع.

إن الأرواح التي تُفقد على ضفاف النيل لا ينبغي أن تتحول إلى أرقام باردة في سجلات الحوادث، إنما إلى جرس إنذار يدفع الجميع إلى التحرك. فكل ضحية جديدة هي شهادة اتهام ضد التقاعس، ورسالة تقول إن الوقاية كانت ممكنة اذا أحسنا التخطيط، وإن المسؤولية لا تنتهي عند تسجيل البلاغ، بل تبدأ منه.

يبقى النيل شريان الحياة للسودانيين، وسيظل كذلك، لكن من حق الناس أن يقتربوا من مياهه وهم مطمئنون، لا وهم يترقبون خروج الموت من بين أمواجه. فحماية الإنسان هي أسمى صور حماية الوطن، وما قيمة أي مشروع تنموي إذا ظل المواطن يخشى الوصول إلى مصدر الحياة نفسه؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.